1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

الأكراد العائدون من ألمانيا ـ حياة بين عالمين مختلفين

٨ يناير ٢٠١١

لا تقوم ألمانيا بترحيل الأكراد العراقيين اللاجئين إليها لكنها لا تمدد وثائق إقامتهم المؤقتة، مما أضطر البعض للبقاء بشكل غير شرعي، لكن الكثيرين يعودون للحياة في شمال العراق، الأمر الذي لا يخو من صعوبات في تكيفهم مجددا.

https://p.dw.com/p/zvCG
عائلة كردية شاركت في الإنتخابات العراقية في مدينة كولونيا الألمانية عام 2005صورة من: DW

سأل الحاضرون بيباك، حينما عاد قبل خمسة أعوام إلى كردستان العراق بعد ست سنوات قضاها مع عائلته في شتيندال في ولاية ساكسونيا إنهالت الألمانية، فيما إذا كانت السماء تمتد فوق ألمانيا أيضاً وفيما إذا كانت تمطر هناك وإذا كان الليل يرخي أسداله. وقبل عام واحد من إتمام بيباك لامتحان الشهادة الثانوية البكالوريا قرر الوالد الرحيل عن ألمانيا مجدداً والعودة إلى الوطن. عن هذا يقول بيباك، الذي يبلغ الآن الرابعة والعشرين من العمر، متذكراً: "كان الأمر صعباً بالنسبة إلي صعباً للغاية". حين قدم بيباك إلى ألمانيا، لم يكن يتقن اللغة الألمانية، فتوجب عليه إعادة سنة دراسية. وبعد أن ترك ألمانيا عائداً إلى كردستان كانت إتقانه للغة الكردية قد تراجع في هذه الأثناء.

بين ثقافتين مختلفتين

وبعد أن عادت العائلة إلى كردستان توجب عليه مرة أخرى أن يعيد السنة الدراسية. "كنت أتحدث العربية أفضل من الكردية، وأتقن الألمانية أفضل منهما". في شتيندال كان لديه أصدقاء من العرب والألمان، وما زال بيباك حتى اليوم بين ثقافتين مختلفتين. ويعلق على هذا قائلاً: "لقد تركت الحياة في ألمانيا بصماتها على شخصيتي". وعاش في ألمانيا فترة المراهقة، ودخل مرحلة البلوغ.

إن حالة بيباك لا تختلف عن آلاف الأكراد الذين تركوا أوروبا عائدين إلى شمال العراق. وتوجد في ألمانيا أكبر جالية كردية موجودة خارج كردستان، وتقدر الإحصائيات عددهم بقرابة نصف مليون كردي تقريباً. ينحدر أغلبهم من تركيا. ولأن الأكراد القادمين إلى ألمانيا ينحدرون من بلدان مختلفة، تركيا وسوريا وإيران والعراق، فإنهم لا يعاملون كمجموعة عرقية. ووفق بيانات وزارة الداخلية الألمانية كان عدد العراقيين المقيمين في ألمانيا العام الماضي قرابة 80 ألف شخصاً، يُعتقد أن غالبيتهم من الأكراد.

تيار العائدين

Kurden aus Irak in Deutschland
الكثير من الأكراد ولدوا وترعرعوا في ألمانيا (عائلة كردية في ألمانيا ، صورة من الأرشيف)صورة من: AP

يقول عمدة مدينة أربيل، نهاد قوجا، إن قرابة 10 آلاف كردي مهاجر عادوا إلى كردستان بعد سقوط نظام صدام حسين. وقوجا أحد العائدين إلى كردستان العراق بعد أن رحل عن مدينة بون الألمانية التي عاش فيها 23 عاماً. قوجا على قناعة تامة أن موجة الأكراد العائدين من أوروبا ستسمر مستقبلاً. ومنذ أن استأنفت الخطوط الجوية الألمانية لوفتهانزا في أيار/ مايو من العام الجاري رحلاتها بين فرانكفورت والحاضرة الكردية أربيل، تسجل الشركة ارتفاعاً مستمراً في عدد العائلات المسافرة على متن طائراتها إلى كردستان العراق.

عن ذلك يقول طارق من مدينة بيلفيلد الألمانية الذي استغل العطلة الخريفية في ألمانيا لزيارة كردستان برفقة عائلته: "يجب أن تكون خطوة العودة النهائية إلى كردستان مدروسة بعناية"، مشيراً إلى الصعوبات التي قد تعترض حياته وحياة أطفاله الثلاثة هناك. ويضيف بالقول: "هنا يتصادم عالمان مختلفان للغاية!". في منتصف أيلول/ سبتمبر تم افتتاح المدرسة الألمانية في أربيل من أجل تسهيل الحياة على الراغبين في العودة إلى كردستان العراق. وسجلت هذه المدرسة رقماً قياسياً اليوم بالنسبة إلى مدرسة ألمانيا حديثة التأسيس في الخارج بعد أن بلغ عدد تلاميذها 131 تلميذاً وخمسة صفوف دراسية وصف تمهيدي، إضافة إلى روضة الأطفال التابعة لها. وثلثا التلاميذ ينحدرون من عائلات عائدة من بلدان ناطقة بالألمانية.

موجات النازحين

هجر الأكراد العراق بأعداد كبير في ثلاث موجات، أولها في سبعينات القرن الماضي حين بدأ صدام حسين يستولي تدريجياً على السلطة في بغداد وبدأت المطامح الكردية بالحصول على دولة مستقلة وبدأ مقاتلوهم "البيشمركة" بشن هجمات مسلحة على الحكومة المركزية. الموجة الثانية بدأت في ثمانينات القرن الماضي حين أخذت الحرب العراقية الإيرانية تصبح أكثر دموية واتهم صدام حسين الأكراد بالتواطؤ مع الإيرانيين وأمر بشن هجمات بالأسلحة الكيميائية على القرى الكردية، أدت إلى مقتل 180 ألف كردي، كما تقول المصادر الكردية التي تصف هذه الهجمات: بإبادة جماعية ضد شعبه.

أما موجة النازحين الثالثة فكانت في تسعينات القرن الماضي، حين اندلعت الحرب الأهلية بين العشيرتين الحاكمتين في كردستان العراق، البارازاني والطالباني. والآن تم تجاوز أسباب هذا الصراع، واتحد الحزبان، المتنافسان في الماضي، ليشكلا حكومة إقليمية وتحالفاً موحداً يمثلهما على المستوى الوطني في الحكومة المركزية في بغداد.

استطاع كردستان العراق خلال العقد المنصرم من تحقيق تطور كبير بعيداً عن العوائق التي كانت مفروضة في الماضي. ومن خلال مراقبة خالية من الثغرات لأجهزة الشرطة والمخابرات بقي الإرهاب، الذي دمر بقية أنحاء العراق بشكل كبير منذ دخول القوات الأمريكية والبريطانية، بقي بعيداً عن المناطق الكردية، حتى إن عدد الهجمات في المحافظات الكردية الثلاثة أربيل والسليمانية ودهوك خلال الأعوام السبع المنصرمة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

حياة أوروبية آمنة

في المناطق الكردية يشعر المرء بقدر كبير من الأمان أو عدم الأمان كما هو الحال في أوروبا. ونظراً للوضع الأمني المستقر بدأت بعض الدول مثل بريطانيا والسويد والدنيمارك بإعادة الأكراد المقيمين في أراضيها إلى هذه المناطق. وعلى الرغم من أن ألمانيا لا تقوم في الوقت الراهن بترحيل الأكراد اللاجئين إليها، إلا أنها لا تقوم بتمديد وثائق إقامتهم المؤقتة حتى أن بعضهم أصبحوا يقيمون فيها بشكل غير شرعي. ولهذا السبب يفضل الكثيرون منهم العودة إلى منطقة شمال العراق.

لكن غالبية الأكراد المقيمين في ألمانيا يحملون أوراق إقامة رسمية وعودتهم تعد اختيارية. وبشكل خاص أولئك الذين قدموا إلى ألمانيا في سبعينات القرن الماضي، أصبحوا مواطنين ألمان بعد حصولهم على الجنسية الألمانية. ومن هؤلاء الأخوان نيجفان وبوتان، ولكنة منطقة شفابن في كلامهما توضح في أي منطقة عاشت العائلة لمدة 26 عاماً. عن ذلك يقول نيجفان، الأكبر سناً: "أقول دائماً كنا نسكن في شتوتغارت، فلا أحد يعرف بلدة رويتلينغن الصغيرة". ولا يريد الأخوان إعادة جوازات سفرهم الألمانية بأي حال من الأحوال، حتى بعد أن استقرا مع عائلاتهما في منطقة زاخو الواقعة على الحدود العراقية التركية.

ويعترف بوتان قائلاً: "أن الإمكانية المتاحة لنا في السفر إلى ألمانيا وقت ما نريد تساعدنا على الاستمرار هنا". بوتان، البالغ من العمر 26 عاماً، تزوج قبل ثلاث سنوات من امرأة كردية عائدة هي الأخرى من ألمانيا، وولد أبنهما في مدينة شتوتغارت الألمانية. وبعد ولادته عادت العائلة مجدداً إلى زاخو.

حين تصبح الحياة بين عالمين واقعاً

Deutsche Schule Erbil Irak
افتتحت في العام المنصرم مدرسة ألمانية في أربيل لمساعدة الأكراد على تعلم اللغة الألمانية أو مواصلة من بدأ في تعلمها في ألمانيا قبل عودته إلى وطنهصورة من: DW

إن الحياة بين عالمين أصبحت بالنسبة إلى بوتان واقعاً، نجح في التعايش معه، على عكس أخيه نيجفان البالغ من العمر 42 عاماً، والذي يشعر في بعض الأحايين بنوع من الحنين إلى موطنه ألمانيا. ولذلك يقوم بسماع الموسيقى الألمانية أو يتصل بأصدقائه الألمان أو يسافر إلى مطعم "الفناء الألماني" Deutscher Hof في أربيل لتناول الشبيتسله Spätzle أو يذهب للتوحد على قمة "جبله"، كما يحب له أن يسمي التل في زاخو، المطل على المدينة الحدودية الكبيرة التي يبلغ تعداد سكانها 180 ألف نسمة وعلى الجسر المشهور الذي يعود تاريخ بنائه إلى الحقبة الرومانية.

وعلى الجبل يملك الأخوان صالة للعب "البليارد" ويقومون بتنظيم حفلات الزواج. وفي بعض الأحيان يختفي نيجفان لبضعة أيام هو الآخر. هكذا ببساطة من دون أن يتحدث عن وجهة سفره. واتصال مفاجئ من رقم يبدأ بمفتاح ألمانيا يكشف عن: "أن الوقت قد حان لزيارة ألمانيا مجدداً". وبابيك هو الآخر يسافر من آونة إلى أخرى إلى ألمانيا مجدداً من أجل زيارة أصدقائه وتنفس عبق المطر والبرد في ألمانيا. لكن إقامته قد نفذت. ولم يعش في ألمانيا لفترة تمكنه من الحصول على جواز سفر ألماني.وفي هذه الأثناء بدأ بدراسة التربية الرياضية في جامعة أربيل ويقول أنه أصبح بين عالمين مختلفين ويضيف واثقاً: "أريد أن أكمل الماجستير في مدينة كولونيا الألمانية".

بيرغيت سفينسون

ترجمة: عماد مبارك غانم

مراجعة: هشام العدم

حقوق النشر: قنطرة 2010

تخطي إلى الجزء التالي اكتشاف المزيد